الفيض الكاشاني

43

الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام

هي لابستها وخالعتها من الصور والأعراض نسبة البحر إلى الأمواج . « فقال له أدبر » أمر اللّه له أمر التكوين أن اهبط من عالم الملكوت والنور إلى عالم الموادّ والظلمات مصلحة للنظام وابتلاء للأنام ، إذ نظام هذا العالم وعمارته لا ينصلح إلّا بنفوس شرّيرة وقلوب قاسية ، وتكميل السعداء المهتدين لا يتمشّى إلّا بوجود الأشقياء المردودين ، ولأن يتحقق مظاهر بعض الأسماء فيوجد آثارها « كالعدل » و « المنتقم » و « الجبار » و « التوّاب » و « الغفور » و « العفو » فإنها أسماء إلهيّة وصفات ربّانية لا يظهر آثارها وغاياتها إلّا إذا جرى على العبد ذنب ، ولذلك ورد في بعض الأخبار « لولا أنّكم تذنبون لذهب اللّه بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر اللّه لهم » . « فأدبر » فتوجّه إلى عالم الزور وبعد عن مقام الرحمة والنور هابطا مع العقل حيث هبط وظهر في حقائق النفوس الفلكية والطبائع والصور والمواد ، فصار جسما مصورا من ماء أجاج وأرض خبيثة منتنة ، ثم صار نباتا ، ثم صار حيوانا ذا جهل هيولائي ، ثم اكتسب جهلا بالملكة ، ثم جهلا مستفادا ، ثم جهلا بالفعل ، وعند ذلك انتهى إدباره فصار في غاية البعد من اللّه سبحانه . وكذلك فعل من تبعه وشيّعه من الأرواح الخبيثة المتشعّبة منه ويلحق به ويحشر معه في هواه إلى دركات الجحيم ونزوله إلى أسفل سافلين ، وإدباره في جميع المراتب تابع لإدبار العقل وإقباله جميعا ، وإنما تحقق بالعرض لا بالذات ، إذ كلّ من لم يقبل من شعاع نور العقل أو قلّ قبوله منه ، بقي في ظلمة الجهل بمقدار عدم قبوله منه ، وذلك لسوء استعداد مادّته وخبث طينته . « ثم قال له : أقبل » أمرا تكليفيا تشريعيا « فلم يقبل » لأنه بلغ بالإدبار أقصى مراتب الكمال المتصوّر في حقّه ، ولهذا استكبر لتأكّد وجوده الظلماني ورسوخه في ذمائم الصفات وقوة أنانيّته واغتراره . والإقبال إلى الحقّ إنّما يتيسّر لنفوس السعداء لأجل ضعف وجودهم الجسماني وقبولهم التبدّل في الأكوان الوجودية ، وتطوّرهم في الأطوار الأخروية بفناء بعد فناء لبقاء فوق بقاء ، وعدم تعلّقهم بهذا الوجود ، ولا تقيّدهم بهذه المحابس والقيود ، وترك التفاتهم إلى شيء سوى مبدأ كلّ خير وجود ، وليس شيء من هذه في الأشقياء ، بل هم متّصفون بأضدادها . « فلعنه » أبعده عن رحمته وطرده عن دار كرامته « خمسة وسبعين جندا » المذكور في النسخ التي رأيناها عند التفصيل « ثمانية وسبعين » ولعلّ الثلاثة الزائدة « الطمع والعافية والفهم » لاتّحاد الأوّلين مع الرجاء والسلامة المذكورين وذكر